الليبرالية

حول مُصطلح ” التسامح ” و الحداثة السائلة…

التسامح الليبرالي


مدخل :

  • التسامح، التعايش، تقبل الآخر، الانفتاح على الآخر….إلخ
    ألفاظ مجملة موهمة تحتمل عدة معانٍ تحتمل حقاً و تحتمل باطلاً، و المنهج الأسلم في التعامل مع هذه الألفاظ هو ضرورة الاستفصال منها و فرز معانيها ثم الحكم التفصيلي على حقائقها لا مجرد مبانيها..
    و في بيان هذه المنهجية يقول ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:

” فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلاً عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئاً بل يكون في قوله نوع من الصواب، وقد يكون هذا مصيباً من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث”. اهـ [جامع الرسائل صـ١٩٥/١]

و بالتالي هذه الألفاظ قد يُراد بها حقّ و قد يُراد بها باطل، و عليه :

التعايش :

  • التعايش مع اليهود و النصارى لم يكن أمراً جديداً حتى يُتبّجح به لاستجلاب الإعجاب الغربي.. !
    فقد شهد العصر النبوي قيام دولة الإسلام العظمى و في كنفها يهود بني قريظة و يهود بني النضير و يهود بني قينقاع وفق عهود و مواثيق كما قال الله تعالى :

{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} .

لكن الحقيقة التي أخفاها من يستدل بهذه الآية فقط = أن الله قال في القرآن أيضاً! :

{ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}

فكان أهل الكتاب في كنف الدولة الإسلامية ذليلين صاغرين و هم يقدّمون (الجزية) بعد طلبهم ترك القتال.. فأين هذا من التسماح الليبرالي الذي يُقصي الدين من المعادلة تماماً و يقتل العزة بالإسلام في النفوس في بلاد الإسلام..؟!

التسامح الليبرالي :

  • لكن التسامح الليبرالي المعروف في الدائرة الفكرية المعاصرة يُذوّب المُحكمات الشرعيّة و المفاصلات المبنيّة على أساس الدين، مثلَ : -جهاد الطلب الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم طوال حياته و خلفه أصحابه في ذلك لأجل أن تكون كلمة الله هي العُليا، الأمر الذي يُضايق العقل الليبرالي لأنه تمييز للحقوق على أساس الدين..!

و كأن الدولة الحديثة التي فُرضت على شعوب العرب قريباً كانت بالورود الجميلة و العطور الفائحة و لم تكن بالاستعمار الأوربي اللعين الذي نشر العالمانية بالبُندقية و الدبابة المسلحة..!

الولاء والبراء :

مفهوم الولاء و البراء الذي اكتظّت به النصوص الشرعيّة كقول الله تعالى:
{ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

مفهوم التكفير :

مفهوم التكفير الشرعي (الصادر عن أسس شرعية معتبرة) الذي قال الله عنه:
{هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن }..
ولكن الليبرالية تخاف التمييز على أساس الدين!!
و مفهوم التكفير- من منظور اصطلاحي لا شرعي – بين التيارات و الأفكار و المعتقدات مصطلح (متعارف عليه تماماً) ؛ فمثلاً النصراني كافر بالإسلام كما أن المسلم كافر بالنصرانية؛ كما أن الاشتراكي كافر بالرأسمالية و الرأسمالي كافر بالاشتراكية؛ كما الملحد كافر بالدين و المتدين كافر بالإلحاد… و هكذا؛ فمصطلح التكفير مصطلح حدي يحفظ كيان الفكرة و المعتقد من التداخل مع غيرها؛ فعلامَ الضجيج و العويل!؟
=و لكنه تأثر بفلسفات ما بعد الحداثة السائلة التي فقدت مركزية الحقيقة و تمخّضت للعبثية في المنطق و العقل و التصورات! ؛ لينتج ديناً هلامياً سائلاً ذائباً يُجوّز لمعتقده أن يترحّم على كبير الملحدين الفيزيائي ستفين هوكنج أو يصلي صلاة الجنازة على الملحدة نورهان في مسجد د. مصطفى محمود! ، فمالنا لهؤلاء من سبيل!

مفهوم قتل المرتد :

مفهوم وجوب قتل المرتد في الدولة الإسلامية و هو مفهوم مجمع عليه بين الفقهاء على مدى قرون الشريعة الطوال و طبقه الحكام كابراً عن كابر حتى ظهر التأثر الأرعن بالحداثة المعاصرة التي تجعل من الإنسان مركزاً للكون و تقصي مركزية الدين؛ ففي الوقت الذي ترفض فيه الدولة الليبرالية الديمقراطية قتل المرتد و تعتبره وحشية = تستوعب تماماً وجوب قتل المتعدي على النظام الدستوري بحجة تغويض سيادة الدولة و القانون بحجة الخيانة العظمى؛ و كل ما في الأمر أن الليبرالي يمارس نفس العملية الإسلامية فقط هو يستبدل مركزية الدين بمركزية الدولة الحديثة!

أسلمة التسامح الليبرالي :

نعم، في ظل الدولة المدنيّة (=العالمانية) أساس الحقوق و الواجبات هو المواطنة و التجنس = هذه حقيقة واقعيّة و لكن ليست حقيقة شرعيّة مرضيّة ، و نحن في هذا الزمان مكبّلون بقيود الدولة الحديثة التي لا أساس ديني لها -فكّ الله أسرنا منها-، و لكن الذي يُغضب المسلمَ الغيورَ = تبريرُ هذه السياسة والفرح بها و محاولة (أسلمة) مفاهيم الدولة المدنيّة، بل و تحزيمُ ذلك بأدلة من القرآن -ساقطة الاستدلال تماماً- على ما يقوله..
كمثل الاستدلال بقول الله تعالى :


{لكم دينكم و لي دين }، ما علاقة الآية بأساس الحقوق في دولة؟!
و ما وجه الدلالة ؟!

الآية جاءت في سياق البراءة من دين الكفار وعدم موافقة النبي -صلى الله عليه وسلم- لطلب الكفار منه عبادة آلهتهم زمناً؛ فأمره الله بالرفض و أخبره أن للكفار دينهم =(و هو الشرك)، و لنا نحن المسلمين ديننا (=و هو التوحيد الخالص)؛ فما أجهل العقل الليبرالي الذي يستدل بآية في صميم الولاء و البراء على التسامح الليبرالي!!!

أخيراً، لا أدري ما هو الباعث لـ(سرعة) التكالب وراء أهل الكفر والنفاق والاحتماء بهم !!! ،لكن تذكرت قول الله تعالى في ربط محبة ذلك بالتسارع ! :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ}

السابق
الدولة الحديثة وإمكانية التشريع (1)
التالي
“المسألة فيها خلاف !” كأداة ليبرالية

اترك تعليقاً