الليبرالية

هل تُحقق الليبرالية نموذج الدولة اللا انحيازية ” impartial state ” كما يُسوّق لها ؟

التعددية

[ نظرة نقدية مختصرة في مفهوم الحياد في الدولة الليبرالية  وأنها تقف على مسافة واحدة من الأديان ، وبيان لكساد التسويق الإعلامي عند سماسرة الليبرالية ، السودان أنموذجاً ] 

– من ألمع الحملات التسويقية للّيبرالية إدعاء سماسرتها أنها تستطيع تقديم نموذج ٍ لـ(دولة حيادية) تقف على مسافة واحدة من كل الأديان و العقائد و الخلافات الآيدلوجية و الصراعات الإثنية الكثيرة في وطن كبلادنا السودان و هي بذلك تمثّل الملاذ الآمن لحل هذه المُعضلة الإثنية بفصل الدين من الدولة ، هكذا ترسم لنا الآلةُ الإعلاميةُ الليبراليةَ – بكل بساطة – ! 

– وللأسف هذه النظرة للّيبرالية يمكن أن تنطلي على من لا معرفةَ له  بنظام الدولة الحديثة الذي نعيشه و كافة حمولته و تبعاته و مواثيقه و لوازمه. 

– والواقع أنك بمجرد إقامتك لحِزمة من القوانين: (دستور/وثيقة /لوائح… ) مُلزمة تعاقب من يخالفها و تحميها بسلطة و لا يستطيع أحد تجاوزها و لا التحاكم إلا من خلالها = فأنتَ أقحمتَ الدين في صميم الدولة؛ و ذلك أن لفظ ( الدين) في حقيقته هو أوامر مُلزمة بنظام مُعيّن كما سمى الله نظام المَلك ديناً في عهد نبي الله يوسف – عليه السلام – : { ما كان ليأخذ أخاه في دين المَلك إلا أن يشاء الله}، و كل الذي تقوم به الليبرالية في هذا الأمر هو مغالطة لفظية بأنها لا تُسمي قوانينها ديناً !، و الحقيقة أنها تُقصي ديناً إسلامياً سماويّاً خالداً من حكم البلاد ثم تُمرر ديناً أرضياً بشريّاً قاصراً صنعه لها جان جاك روسو و جون لوك و توماس هوبز و سبينوزا مع استصحاب المواثيق الدولية و المعاهدات الإقليمية و المؤسسات الإقتصادية الكبرى التي يضعها البشر لتحاكم بها الدول لِزاماً بحكم تملكها لرأس المال العالمي ! 

وقد تحدثتُ بشيء من التفصيل عن هذه الخديعة الكبرى في مقال : خديعة العالمانية العربية .

-لو نظرنا لبلادنا السوران ؛ فمنطق العقل السليم يقول : كيف تكون دولتك حيادية و أنت تُلزمنا – مثلاً – في الوثيقة الدستورية الانتقالية في بلادنا السودان في الفصل العاشر :” الحقوق و الحريات ” بمواثيق العهود و الاتفاقيات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان المتواضع عليها بين الليبرالين ذاتهم في مجالسهم و مؤسساتهم ؟! ما الفرق بين هذا الإلزام و هذا الإلزام :{ و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}؟!  

-و تعتبر هذه المنطقة إحدى إشكاليات التبني الديمقراطي للدولة  الحديثة في مقابل الفكر الليبرالي : فلو أن حكماً و قانوناً عاماً أصدرته السلطة القائمة بصورة ديمقراطية شملت تصورات أغلب الشعب = هل إلزام الأقلية الباقية من الشعب الرافضة لهذا الحكم  بالعمل و معاقبتهم عليه يُعتبر فعلاً ليبرالياً يحمي حرية الفرد الشخصية ؟! 

حسناً، لنمدد قوة السؤال أكثر فنقول :ماذا لو كان هذا الحكم مخالفاً لأغلبية الشعب المسلم كما هو الحال في بلادنا السودان مع دعاوى فصل الدين عن الدولة ؟! 

و لكَ أن تتخيّل الآن مدى الانحياز الذي يُمارس باسم (الدولة المحايدة) ضد أغلبية الشعب ! 

– ثم لو سلّمنا جدلاً بهذه الدولة الحيادية الافتراضية؛ فلنا سؤال مشروع : هل الدول الليبرالية العالميّة الآن تُطبق هذا النموذج تجاه القيم الدينية التي يحملها المسلمون كممارسة شخصية – على الأقل – ؟ 

يضرب الشيخ الدكتور العجلان-حفظه الله- أمثلةً رائعةً تبين مدى الانحياز الليبرالي ضد هذه المفاهيم و الممارسات فيقول في إحدى جواباته عن ذات الإشكال حول الدولة الليبرالية :

” فعلى مستوى العبادات: تتدخل – أي الدولة الليبرالية – في كيفية إجراء الأذان والصلوات، بل وحتى المحتوى الذي يقدم في خطب الجمعة فليس لك مطلق الحرية فيه.

وفي الأطعمة: لا تملك الذبح الشرعي الذي ينافي حقوق الحيوان.

وفي الأنكحة: لا تملك حق الزواج تحت سن معين يخالف سن الرشد المدني، كما لا تملك مراعاة شروط النكاح الشرعية من شهود وولي ومهر، ومن لا يجوز الزواج منهم، ما دام أنه يخالف اختيار البنت، كما تمنعك من حريتك الشخصية في التعدد الشرعي المباح، حتى ولو أتيتَ بصك رضىً من أهل الأرض كلهم.

وفي التربية: لا يملك أن يربي أولاده على شيء يخالف هذه القيم الليبرالية، كما أنه ملزم بتعليم أولاده في التعليم النظامي وفق البيئة والقيم والشروط الليبرالية، كما قد يمنع من بعض الأمور الشرعية كالختان مثلاً.

وفي اللباس والمظهر العام: قد تمنع المرأة من لبس الحجاب، كما قد يمنع الرجال من إعفاء لحيته في بعض الأعمال.

بل حتى حق الحياة الأساسي الذي تراه من قطعيات الدين لن تملك شيئاً أمام مشروعية الإجهاض وقتل الأطفال مراعاة لحق المرأة.

كما أن القوانين التي تصدر من المؤسسات التشريعية هي قوانين ملزمة حتى ولو تعارضت مع مبادئك الدينية، فالقانون أقوى، وقد تراعي بعض البلدان التحفظات الدينية على بعض القوانين، لكنه ليس ملزماً على كل حال، لأن القانون فوق الجميع.

وحتى التحاكم إلى القوانين الشرعية عند التراضي، فليس لك حرية في ذلك حتى ولو كان ذلك بالتراضي بين المتحاكمين أنفسهم، إلا في حدودٍ لا تعارض الأصول الليبرالية.

بل وحتى المؤسسات الدينية الخاصة، لا تملك خياراً حراً في أن تتعاقد فيما بينها وفق شروطٍ خاصة مستندة إلى مرجعيتهم الدينية إذا كان في ذلك مساس بالأصول الليبرالية.

وفي حرية التعبير عن رأيك الديني فأنت محكوم بقيم الليبرالية، ومنها أن تمتنع عن أي خطاب فيه كراهية، وهذا المفهوم فيه من العموم والضبابية ما يجعله يتمدد ولا يقتصر على ما فيه اعتداء مباشر، بل قد يتوسع لتجريم ما يراه مهيئاً لهذا العدوان، وبطبيعة الحال أن مثل هذا سيكون على حساب الحرية الدينية  ” . 

– وقد يتولد سؤال برئ و هو إذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا الشعور التلقائي البارد للمسلمين تجاه هذه القيم الليبرالية بأنها هي = الأصل و هي الحياد و هي المقياس ؟ 

و الجواب – بكل بساطة – : 

هو سطوة النموذج الليبرالي على الفكر العالمي و تحكمه في مفاصل العالم سياسياً و إقتصادياً و إجتماعياً بما يجعل المزاج العام هو المزاج الليبرالي! ( وفق نظرة عالم الاجتماع ابن خلدون في خضوع المغلوب تحت سلطة ثقافة الغالب). 

-الخلاصة : 

لا يمكن أن تكون هناك دولة حديثة بنظمها وإلزاماتها القانونية تحكم مجتمعاً ما إلا وهي (دولة انحيازيّة)  ، كما يرى المفكر دونالد مون“Donald Moon” أنّ الحيادية متعذرة التحقق الخارجي ، ويقول في ذلك: ” يجب على كل دولة أن تُنظّم الفرص والإمكانيات من خلال طرق تعطي بعض التفضيل لأحد التصورات أو غيرها عن الخير”، وما مصطلح الدولة الحيادية إلا كذبة سماسرة مبتعثي الليبرالية في البلدان العربية ليتم التسويق لها في سوق السياسة لتكتمل الإمبريالية العالمية لأسيادهم . 

فالدولة في الفكر الليبرالي = ( منحازة) للبشر… عفواً ! لـ(بعض شرذمة) من البشر… 

والدولة في الدين الإسلامي = (منحازة) لخالق البشر { ألا له الخلق و الأمر}… 

{فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} ؟! 

السابق
وقفة تأمل و افتقار مع فيلم الجوكر !
التالي
الأقصى وحتمية الصراع

اترك تعليقاً