فقه الدعوة

معضلة السوبر مان الإصلاحي

واحدة من مشكلات مشروع الإصلاح الإسلامي هي مسألة التبسيط والاختزال للمعضلات الفكرية المهيمنة؛ وبالتالي تقديم خطاب يعالج أطراف المشكلة بعيداً عن جذورها المنتجة و منظومتها المركزية التي تولّد ذات الإشكالية من جديد.

لنأخد مثالاً معضلة العالمانية كأكبر إشكال فكري يواجه الإصلاح الإسلامي للفضاء العام؛ فتوجيه الخطاب الإسلامي التوعوي المناهض للفكرة العالمانية – لوحده – ليس كافياً في المواجهة، وإن كان مهماً وأساساً لكل عمليات الإصلاح الأخرى.

كتاب العالمانية طاعون العصر من أفصل الكتب المعاصرة التي توضح مدى تغلل العالمانية في الذهنية العربية

والسبب في ذلك أن العالمانية هي طاعون العصر بحق وحقيقة على حد تعبير الأكاديمي التونسي د. سامي عامري؛ العالمانية الآن متغلغلة في عمق البناء الإنساني سواء في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، أو في النظام السياسي عبر المجتمع الدولي، أوالسلم التعليمي، بل حتى مناهج البحث في مراحل التعليم المختلفة، أو الآلة الإعلامية الكبرى التي هي في يد العالمانية ، أو قوة السلاح التي هي في يد العالمانية، أو النظام المجتمعي الذي تضربه العالمانية عبر المنظمات النسوية المفككة للأسرة ومفهوم الزواج أو عبر دعوات المثلية و غيرها ، أو حتى الدولة الحديثة التي صارت بديلاً للإله في عصر الحداثة فصارت الحدود الجغرافية يُعقد عليها الولاء والبراء باسم المواطنة وقداسة تراب الوطن، كل هذا مع قوة مادية مُبهرة و ذات سلطة غالبة على كل مَن قلّ إيمانه و ضعُف قلبه …

هل تتوقع من إنسان نشأ وسط كل هذا الزخم أن يتغيّر و يتخلى عن رواسب العالمانية بمجرد خطاب توعوي ؟!!!

كتاب العلمنة من الداخل للدكتور المراكشي من الكتب التي فصلت كيف تسربت العلمنة في الداخل الإسلامي نفسه

بل الطريف في الأمر أنه حتى بعض الجماعات الإسلامية المتصدية لهذه المنظومة العالمانية المتكاملة التي تتمدد في الإنسان الحديث تمدد الطاعون بين الناس = هي نفسها الأخرى أصابها طيفٌ من لفحات نيران العالمانية حتى ضربت في جذروها ! ، و قد رصد ذلك بدقة الدكتور المغربي عصام المراكشي في كتابه : ” العلمنة من الداخل ، رصد التسربات (العلمانية) في الجماعات الإسلامية “.

التعاون والتكامل

إن مواجهة العالمانية تحتاج لمشروع إسلامي متكامل بين أدوات : ( الدعوة والقوة والسلاح والمعارف الشرعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التربوية التعليمية)، و التخلف عن أحد هذه المقامات في الإصلاح المجتمعي سيترك الجذور المولدة للعالمانية ما تزال تنمو و تنتج و تُفرّخ.

وللأسف يندر- حالياً – وجود جماعة إسلامية تسد هذا الفراغ كله ؛ وعليه فالإصلاح الشامل يستحيل أن يكون على أكتاف جماعة إسلامية واحدة لا من حيث القدرات ولا من حيث المعارف؛ فعلى الجماعات الإسلامية أن تترفع عن منطق ” السوبر مان الإصلاحي”، و رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.

السابق
7 فروق بين الشورى والديمقراطية
التالي
الدولة الحديثة وإمكانية التشريع (2)

6 تعليقات

أضف تعليقا

  1. قطوف احمد قال:

    جزاك الله خير وبارك فيك
    سدد الله قلمك ورفع قدرك💛
    الزوج العزيز 💛

  2. عبعزيز كرار العكد قال:

    جزاك الله خيرآ شيخنا خلفان يضاف لذي الأدواء العضال ما اسميته ب(شهوة التجديف) ليتنا نكتفي بعجزنا لكن بيسر وسهولة تنسحب أسوء الظنون و أبشع التوصياف على أي بادرة إصلاح عام تختلف أو تتفق أدواتها في التغيير مع كبريات الجماعات الفاعلة وتساق مهول الإختلاقات في سبيل حربها في المهد
    رضي الله عنكم ووفقكم

    1. وجزاك وفيك بارك حبيبنا العكد ، آمين وإياكم ، شكر الله لكم المرور الكريم

  3. سلمى عبيد قال:

    وفقكم الله لكل خير وبارك فيكم

    1. آمين وإياكم ، شكر الله لكم المرور الكريم

اترك تعليقاً