الإجابة القرآنية

تدبرات فكريّة في الإجابة القرآنية (مدخل تمهيدي)

الإجابة القرآنية

بإذن الله هذه سلسلة تأملية مختصرة في الكتاب الهادي و النور الساطع في دياجير الظلم و غياهب الضلال : (كتاب الله العظيم) سأنشرها تِباعاً على هذه المدونة – إن شاء الله – استلهاماً للمدد الرباني و الفتح الإلهي في الهداية القرآنية، و هي وقفات تأمليّة لعرض الأسئلة الفكريّة على النص القرآني و استخلاص الإجابة القرآنية منه.

و عقيدتي أن القرآن هادٍ في كل شيء و مصباح لكل ظلام لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد؛ فهو أحرى بأن نتأمل معانيه في أسئلتنا الفكريّة و قضايانا العصريّة .

كما قال الإمام السعدي – رحمه الله تعالى – : “يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته وأنه ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره “. ( تيسير الكريم الرحمن — سورة الإسراء) .

وما أجملَ كلمة الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – و هو يناقش المتكلمين في تهوينهم القبيح للدلالة النقلية في مجال الجدل و النظر و الحِجاج! ؛ فقال مُتحدثاً عن الطريقة القرآنيّة : ” قُلْتُ: وَهَذِهِ الطَّرِيقُ مِنْ أَقْوَى الطُّرُقِ وَأَصَحِّهَا وَأَدَلِّهَا عَلَى الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَارْتِبَاطُ أَدِلَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِمَدْلُولَاتِهَا أَقْوَى مِنِ ارْتِبَاطِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِىةِ الصَّرِيحَةِ بِمَدْلُولَاتِهَا، فَإِنَّهَا جَمَعَتْ بَيْنَ دَلَالَةِ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَدَلَالَتُهَا ضَرُورِيَّةٌ بِنَفْسِهَا، وَلِهَذَا يُسَمِّيهَا اللَّهُ تَعَالَى آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، وَلَيْسَ فِي طُرُقِ الْأَدِلَّةِ أَوْثَقُ وَلَا أَقْوَى مِنْهَا، فَإِنَّ انْقِلَابَ عَصًا تُقِلُّهَا الْيَدُ ثُعْبَانًا عَظِيمًا يَبْتَلِعُ مَا يَمُرُّ بِهِ ثُمَّ يَعُودُ عَصًا كَمَا كَانَتْ مِنْ أَدَلٍّ دَلِيلٍ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَحَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَعِلْمِهِ بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ ; وَعَلَى رِسَالَةِ الرَّسُولِ، وَعَلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، فَكُلُّ قَوَاعِدِ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْعَصَا وَكَذَلِكَ. هَذَا وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ نُورًا أَعْظَمُ آيَةٍ وَدَلِيلٍ عَلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ أَقْوَى وَلَا أَظْهَرُ وَلَا أَصَحُّ دَلَالَةً مِنْهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَأَدِلَّتُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ لِلْبَصَرِ، لَا يَلْحَقُهَا إِشْكَالٌ، وَلَا يُغَيِّرُ فِي وَجْهِ دَلَالَتِهَا إِجْمَالٌ، وَلَا يُعَارِضُهَا تَجْوِيزٌ وَاحْتِمَالٌ، تَلِجُ الْأَسْمَاعَ بِلَا اسْتِئْذَانٍ، وَتَحُلُّ مِنَ الْمَعْقُولِ مَحَلَّ الْمَاءِ الزُّلَالِ، وَمِنَ الصَّادِي الظَّمْآنِ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَقْدَحَ فِيهَا قَدْحًا يُوقِعُ فِي اللَّبْسِ، إِلَّا إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْدَحَ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهَا أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الْمَدْلُولَ اسْتِلْزَامًا بَيِّنًا وَتُنَبِّهُ عَلَى جَوَابِ الْمُعْتَرِضِ تَنْبِيهًا لَطِيفًا، وَهَذَا الْأَمْرُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ وَفَتَحَ عَلَى قَلْبِهِ لِأَدِلَّةِ الْقُرْآنِ، فَلَا تَعْجَبْ مِنْ مُنْكِرٍ أَوْ مُعْتَرِضٍ أَوْ مُعَارِضٍ.وَقُلْ لِلْعُيُونِ الْعُمْيِ لِلشَّمْسِ أَعَيْنٌ * سِوَاكَ تَرَاهَا فِي مَغِيبٍ وَمَطْلَعِوَسَامِحْ نُفُوسًا أَطْفَأَ اللَّهُ نُورَهَا * بِأَهْوَائِهَا لَا تَسْتَفِيقُ وَلَا تَعِيفَأَيُّ دَلِيلٍ عَلَى اللَّهِ أَصَحُّ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كِتَابُهُ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10] ، وَقَوْلِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] ، وَمَا لَا يُحْصَى مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ. “

(صـ198 – كتاب مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة – أقوى الطرق وأدلها على الصانع – عبر المكتبة الشاملة الحديثة)

كان يدور في خَلَدي سؤالٌ في تدبر القرآن ؛ و هو هل يمكن عن طريق النص القرآني و استثماره و تدبره = إقناع غير المسلم أصلاً أو المشكك في أصل الدين (وجود الله، صحة الإسلام، صحة النبوة… إلخ)؟حتى وجدتُ هذا العمل هو من صميم فعل السلف في مقدمة تفسير ابن كثير – رحمه الله تعالى – :وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ: اسْتَخْلَفَ علِيّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَرَأَ فِي خُطْبَتِهِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: سُورَةَ النُّورِ، [ فَفَسَّرَهَا تَفْسِيرًا لَوْ سَمِعَتْهُ الرُّومُ وَالتُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ = لَأَسْلَمُوا]. !

[ص8 – تفسير ابن كثير ت: سلامة – مقدمة ابن كثير – عبر المكتبة الشاملة الحديثة]

فقلتُ : الحمد لله أن هذا أصلاً منهج قديم للسلف، و لكنه اندثر للأسف!

السابق
“المسألة فيها خلاف !” كأداة ليبرالية
التالي
الإجابة القرآنية (الحلقة -1) عن معضلة الانبهار الحضاري في قصة قارون

تعليقان

أضف تعليقا

  1. قطوف احمد قال:

    اللهم بارك
    وفقك الله وسدد خطاك يا زوجي العزيز♥️

    1. آمين وإياك حبيبتي الغالية وسندي دوماً

اترك تعليقاً