فقه الدعوة

أين هو الخلاف الجوهري مع الدولة الحديثة؟

في نظري أن أكبر إشكالية تواجه الإسلاميَّ في معضلة ممارسة السياسة في ظل الدولة الحديثة هي: أن القيمة المركزيّة للحكم الرشيد في الدولة في نظر عامة شعوب المسلمين اليوم هي ( تحقيق زهرة الحياة الدينا من مأكلٍ و مشربٍ و مسكن )، و هذا المعيار متوافق لحدٍّ كبيرٍ مع القيمة المركزيّة للحكم الرشيد في نظام الدولة الحديثة و التي هي (تحقيق الرفاه المادي) !

هذه الفكرة تحتاج لعلاج مطوّل و مفصّل و عمل دعوي تصحيحي كبير من الدعاة في العالم الإسلامي و إلا لن يَصلُح الإسلاميون للعمل السياسي في نظام الدولة الحديثة.

طبعاً هذا المعيار يختلف تماماً عن معيار الدولة الإسلامية التي قال الله فيها مبيناً حكمها الرشيد المقصدي الأساس : ” الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ”.

مثلاً :

*أصاب (طاعونُ عمواس) و (المجاعةُ) كلاهما المسلمين في عهدِ الخليفةِ الراشد عمرَ بن الخطاب – رضي الله عنه – و هو شرخٌ في تحقيق زهرة الحياة الدنيا! و مع ذلك لا يختلف مسلمان في كون عهده – رضي الله عنه – حكماً رشيداً عادلاً محققاً لمقصد الدولة في الإسلام !

*يعد عهد هارون الرشيد – رحمه الله – من أكثر عهود الدولة الإسلامية استقراراً و ازدهاراً و فتحاً و نفوذاً أكثر من عهد الخلفاء الراشدين الأربعة و مع هذا فلا يختلف مسلمان في كون حكم الخلفاء أقرب للحكم الرشيد من حكم هارون الرشيد بلا شك. الأمر الذي يختلف في معايير أدبيّات الدولة الحديثة حيث أن الحكم الرشيد يتمركز حول المعيار المادي فقط!

*يُولّى أبوبكر الصديقُ الخلافةَ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم = فيُسيّر جندَ المسلمين لحروب الردة مباشرة و يرسل بعثَ أسامة بن زيد للحرب لتحقيق مُراد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي قد يعدّ في السياسة الحديثة = حرباً دينية و عصبية و تهوراً و دخولاً في معترك قبل تثبيت نفوذ الدولة بعد وفاة رئيسها!

*و رأى هدهدُ سليمانَ الكثيرَ من التقدم والتطور في مملكة سبأ، و مع ذلك استفزّه بشدّة شركهم بالله ولم يشفع لهم أن مَلِكتهم عادلة وتحكم بالشورى وتقدمهم العمراني في أن ينظر إليهم بعين الازدراء والتشنيع نسبة لتخلفهم الحقيقي في نسيان ما خلقوا من أجله! { و جدتُّها و قومَها يسجدون للشمس من دون الله}!

بطبيعة الحال لا أدعو لترك معيار الدنيا و لكن هي وسيلة و ليست غاية في منظور الدولة الإسلامية – كما لايخفى – .

طبعاً المشروع الذي قدّمه الشيخ إبراهيم السكران في كتابه ” مآلات الخطاب المدني ” يعالج هذه الإشكالية من جذرها .

الحاصل أنه لابد من تغيّر هذا المعيار المادي المحض عند الشعوب – و لو بصورة نسبية – حتى يتسنّى العمل السياسي الرشيد لبناء الدولة الإسلامية و إلا فلا تجهد نفسك في أن تقنع شعباً بجهاد طلب أو عقيدة ولاء و براء أو تحكيم شرع الله أو أحكام أهل الذمة أو غير ذلك من التصورات الإسلامية فهي في سراب دولة المواطنة المدنية الحديثة = سرابٌ بقيعة !

والحمد لله وجدت شيخَ الإسلام ابن تيمية – طيّبَ الله ثراه – لخّص هذا التقرير المهم بأخصر عبارة و ألطف إشارة، قال شيخ الإسلام رحمه الله: “وأهمّ ما في هذا البابِ معرفةُ الأصلح، وذلك إنّما يتم بمعرفةِ ( مقصودِ الولاية) ، ومعرفةِ (طريقِ المقصود) ، فإذا عرفتَ المقاصد والوسائل = تَمّ الأمر”.

وقال أيضًا: “فالمقصودُ الواجب بالولايات: (إصلاحُ دينِ الخلقِ) الذي متى فاتَهُم خسروا خسرانًا مبينًا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم”.

وقال أيضًا: “فالمقصودُ من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله، وحقوق خلقه، ثم قال تعالى : {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الحديد: 25]. فمن عَدَلَ عن الكتابَ قُوِّمَ بالحديد، ولهذا كان قِوامُ الدينِ بالمصحف والسيف”

انتهى من كتاب [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي و الراعي – ابن تيمية /صفحات متفرقة ]

السابق
حول دعوى الإصلاح المثالي في التاريخ الإسلامي
التالي
سؤالان و جوابان حول العالمانية

اترك تعليقاً