فقه الدعوة

ظاهرة الانقضاض على المسلم العالم أو المصلح أو الداعي فور وفاته

ظاهرة الانقضاض على العلماء

ظاهرة الانقضاض على المسلم العالم أو المصلح أو الداعي فور وفاته بتشنيف أسماع عموم الناس بضلالته وانحرافاته تزامناً مع وفاته – بل والاستمتاع بذلك ! ، في وقت يترحم الناس عليه ويسألون الله له الثبات في القبر – = ظاهرة جديرة بالعلاج النفسي لهذا التشوه الفطري قبل أن يتم علاجها علمياً .
والانتساب لابن تيمية في هذا التصرف الوضيع ظاهرة أشد غرابة من هذه!

يقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية في “مدارج السالكين” (2/345):

” وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئتُ يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به ودعوا له وعظّموا هذه الحال منه فرحمه الله ورضي عنه”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في “بيان تلبيس الجهمية” (1/ 9) :

“وأكثر الطالبين للعلم والدين، ليس لهم قصد من غير الحق المبين، لكن كثرتْ في هذا الباب الشبه والمقالات، واستولت على القلوب أنواع الضلالات، حتى صار القول الذي لا يشك من أوتي العلم والإيمان، أنه مخالف للقرآن والبرهان، بل لا يشك في أنه كفر بما جاء به الرسول من رب العالمين، قد جهله كثير من أعيان الفضلاء، فظنوا أنه من محض العلم والإيمان، بل لا يشكـون في أنه مقتضى صريح العقل والعيان، ولا يظنون أنه مخالف لقواطع البرهان، ولهذا كنت أقول لأكابرهم: لو وافقتكم على ما تقولونه لكنت كافرًا مريدًا -لعلمي بأن هذا كفر مبين- وأنتم لا تكفرون لأنكم من أهل الجهل بحقائق الدين، ولهذا كان السلف والأئمة يكفرون الجهمية في الإطلاق والتعميم، وأما المعين منهم فقد يدعون له ويستغفرون له، لكونه غير عالم بالصراط المستقيم” .

وقال ابن تيمية أيضاً:

” فكل مسلم لم يعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه، وإن كان فيه بدعة أو فسق… “
إلى أن قال:
” ولا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأهيل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع، كما بسطناه في موضعه، وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيستغفر لهم ويترحم عليهم. وإذا قال المؤمن: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [سورة الحشر: 10] يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله فخالف السنة، أو أذنب ذنبا، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين. والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل: إنهم يخلدون في النار، فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته. “
اهـ. من منهاج السنة النبوية .

ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية طائفةً من علماء الأشاعرة وأئمتهم وعلمائهم ، مثل القاضي أبي بكر الباقلاني ، وأبي ذر الهروي ، وأبي حامد ، وأبي بكر ابن العربي ، وما وقعوا فيه من الأصول المبتدعة المخالفة لطريقة السلف الصالح ، ثم قال عن هؤلاء وأمثالهم :

” ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة ، وحسنات مبرورة ، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع ، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم ، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف .

لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة ، وهم فضلاء عقلاء ، احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه ، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين .
وصار الناس بسبب ذلك : منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل ، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل ، وخيار الأمور أوساطها !!

وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء ؛ بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين ، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ، ويتجاوز لهم عن السيئات : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ( الحشر : 10 ) .

ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخطأ في بعض ذلك ، فالله يغفر له خطأه ؛ تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( البقرة : 286 ) ومن اتبع ظنه وهواه ، فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ، ظنه صوابا بعد اجتهاده ، وهو من البدع المخالفة للسنة ؛ فإنه يلزمه نظير ذلك ، أو وأعظم أو أصغر ، فيمن يُعَظِّمُه هو من أصحابه ؛ فقلَّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين ، لكثرة الاشتباه والاضطراب ، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب ، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب .. “
اهـ من “درء تعارض العقل والنقل” (2/102-103) .

وتأمل معي قول الشيخ هنا: “ومن اتبع ظنه وهواه ، فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ، ظنه صوابا بعد اجتهاده ، وهو من البدع المخالفة للسنة ؛ فإنه يلزمه نظير ذلك ، أو وأعظم أو أصغر ، فيمن يُعَظِّمُه هو من أصحابه ؛ فقلَّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين “.

فمن ذا الذي ما ساء قط؟ * ومن له الحسنى فقط؟

بل حتى ممن تتحزب إليهم ستجد عندهم الأخطاء تلو الأخطاء، فعلامَ الضجيج؟!

اللهم اغفر لنا جميعا..

السابق
من هنا فابدأ … “صناعة المحاور” البرنامج الذي سيزرع فيك اليقين بالإسلام
التالي
مراجعة كتاب: “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة… دراسة نقدية على ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية”

اترك تعليقاً