فقه الدعوة

لماذا برز المشروع التيمي في العقيدة؟

لماذا برز المشروع التيمي في العقيدة؟


كون ابن تيمية عملاق الرؤية السلفية في العقيدة هذا أمر حكم به واقع المدونات و المشروعات و صار حقيقة ماثلة في السياق العقدي التراثي منه و المعاصر ، بل و لا حتى توجد مشروعات عقديّة (مقاربة) لابن تيمية في المجالات التي عالجها و هذا تفوق تخصصي مُثبت مثيل بكون الطبري عملاق التفسير، أو بكون سيبويه عملاق النحو، و بكون البخاري عملاق السنة، و بكون الشافعي عملاق أصول الفقه و بكون الشاطبي إمام المقاصد ، و هكذا…


والسؤال لماذا برز المشروع التيمي في المشهد العقدي بهذه الصورة المهيمنة ؟

يمكن القول أن -وقد استفدت هذه النقاط من شيخنا عبدالله العجيري في شرحه على التدمرية ، وكذلك هي مبثوثة في كتابه ينبوع الغواية الفكرية -:

  • شرف المشروع التيمي جزء منه عائد لعودته و مناداته بالعودة لمشروع النبي صلى الله عليه وسلم و الصحابة و ما كان عليه السلف الصالح و على هذا يدل حديث الافتراق و الفرقة الناجية، بل حتى أنّ ابن تيمية نصرته لمذهب السلف لم تكن مرتبطة بتعصب مذموم لشيخ أو إمام أو غيره.
  • الاطلاع الثقافي العريض لابن تيمية لإشكالات عصره فبرز الشيخ معالجاً و ناقداً و فاحصاً لعلم المنطق الأرسطي اليوناني في ” نصيحة أهل الإيمان ” كعلم أثّر تأثيراً بالغاً على المسار العقدي بل و الشرعي عموماً، و كذلك معالجة الشيخ لقضايا مشكلة معرفياً في الفلسفة كقضيّة الوحي و العقل و العلاقة بينهما فقدّم مشروعه “درء التعارض”.
  • ومن لطف الله أن سخّر عقليةً سلفيةً ثرّةً مثل ابن تيميّة لزمان وُجد فيه أمثال الرازي و الآمدي – كمثال للحالة الكلامية المتقدمة – فكانت مشاريعه النقديّة مُحكمة و قويّة لأهل الكلام، و لو كانت لحظة ابن تيمية سابقة للرازي و الآمدي لاختلفت النتائج فالرازي و الآمدي يمثلان الذروة الكلامية الفلسفية فهما من قاما بتزييف (الهزيل) من المنهج القديم للأشاعرة(الأصحاب)، و جددا أدلتهم و طوّرانها و أحكماها، فكان المنهج الكلامي في ذروة مجده، و مع ذلك استحال رماداً تذرّه الريح بالعاصفة التيمية!
  • *و بالرغم من قوة منطقه و عقله إلا أن الاعتدال و الإنصاف كان حاديَ الشيخ في سجاله العقدي – و هذه من النوادر -، إلى درجة أن يقول ابن القيم عن الشيخ : ” كان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددتُ أني لأصحابي مثلُه لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم، وجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسرُّوا به ودعَوا له، وعظموا هذه الحال منه ” [مدارج السالكين صـ293، جـ2]،وهنا تجدر الإشارة أن منهجَي (الغلو في التجريح) و( الغلو في التكفير) = لقطاءُ معدومو أدنى صلة تماماً بالتراث التيمي، ويمكن مراجعة مقالي على هذه المدونة “شذرات من فقه الإعذار التيمي” لفهم هذا المعنى أكثر.
  • الاستجابة المنهجيّة التأصيليّة للحوادث و الحالات العَرَضيّة في المشهد العقديّ؛ فابن تيميّة كان تعامله مع حوادث زمانه تعاملاً منهجياً و تأصيلياً عقدياً فلما تبرز إشكالية الرفض و القدر يخرج بمشروع عقدي يعالج المسألة تأصيلاً و تقعيداً في مشروعه “منهاج السنة النبوية”،و لما خلّط البكري في توحيد العبادة فسيخرج رداً مؤصلاً عليه في كتاب ” الاستغاثة في الرد على البكري”، و لما تبرز إشكالية التنصير يخرج بمشروع “الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح”، و لما تبرز إشكاليّة و حادثة سب النبي صلى الله عليه وسلم يبرز الشيخ ذلك مفصّلاً و مؤصّلاً في كتابه “الصارم المسلول على شاتم الرسول”، و لما ظهرت الوقيعة في العلماء الكبار كتب مؤصلاً رسالةَ ” رفع الملام عن الأئمة الأعلام “و هكذا.
  • الامتيازات العقلية و المعرفية الموجودة في المشروع التيمي في دراية المناهج و الفرق و الحجاج الجدلي و صياغة الشيخ لبِنية سنيّة مُتقنة في نظرية المعرفة و التي جمع شتاتَ كلام الشيخ فيها حديثاً الدكتورُ الدعجاني في بحثه الكبير “نظرية المعرفة عند ابن تيمية ” ، و تميز الشيخ في باب الجدل يظهر في استواء ثناءات العلماء عليه الموافقين منهم و المخالفين كالإمام الذهبي و ابن دقيق العيد و هما معتدلان في هذا الباب، و المخالفون كابن الزملكاني و السبكي مثلاً يثنون عليه!
  • وهنا التقط ابن الزملكاني نفسه! حالة التميز المعرفي عند الشيخ في الجدال و الحجاج و الفرق فقال: ” كانت الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرَف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها”.
  • سيرة التعبد و العمل و الاجتهاد المجتمعي لابن تيمية و يمكن الرجوع هنا للبزار و هي رسالة لطيفة، و كذلك كتاب ابن عبد الهادي و كذلك ما ألفه ملا القاري و علي العمري حديثاً. و هذا الجانب صفحات مطويّة من حياة شيخ الإسلام ابن تيميّة! فكثيراً ما نسمع عنه أنه الشيخ الأصولي المجتهد المحدث الفقيه العقدي… إلخ و لكن وراء ذلك و قبله هو الشيخ العابد الزاهد؛ يقول ابن القيم – رحمه الله – مصوّراً مشهداً إيمانياً واحداً من حياة الشيخ كمثال : ” وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس، لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوما فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر – وهو لمجنون ليلى من قصيدته الطويلة -: وأخرج من بين البيوت لعلني * أُحدّثُ عنكِ النفسَ بالسرِّ خالياً ” [مدارج السالكين صـ61، جـ3] ، وهذه المواقف كثيرة الورود عن الشيخ.
  • واضحٌ أن ابن تيمية لا يمثل رمزاً فرداً، بل هو مدرسةٌ أنتجت علماء كبار كابن قاضي الجبل المشتغل بالكلام و الفلسفة، و الفقيه الحنبلي ابن مفلح، و المحدث ابن عبد الهادي، و الجامع لعلم ابن تيمية و المتفنن في العقيدة و الفقه و الأصول و السلوك ابن القيم، و كابن كثير الشافعي الدمشقي المفسر الكبير، و كابن رجب الحنبلي المحدث و غيرهم من الجبال الراسيات ؛ فقد استطاع ابن تيمية أن يصنع حالةً علمية متماسكة و مدرسةً متعددة التخصصات في عصره ، ناهيك عن العلماء المتأخرين عن الشيخ الذين تأثروا بنتاجه المكتوب تأثيراً بالغاً كابن أبي العز الحنفي شارح الطحاويّة مثلاً، و طبعاً من السياقات التي أبرزت نتاج ابن تيمية مشروع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي نشر النتاج التيمي بصورة كبيرة جداً في دعوته النجدية و يعتبر الشيخ ثمرة لابن تيمية، و الآن العلماء المعاصرون هم عالةٌ على تراث الشيخ العقدي، ويمكن فهم سرِّ حالة الخصام و القطيعة للطيف الحداثي الليبرالي مع المنتج التيمي؛ إذ أن تراث الشيخ يبني (مدارس) معرفية سنية ذات مشاريع إصلاحية سلفيّة لا مجرد شخصيات دعويّة هنا و هناك !، لذلك كان الحل بمحاربة تراثه خوفاً من التصدر السلفي للمشهد.
  • رسم تقريرات عامة و قواعد لمذهب السلف الصالح في نتاجه بما يسهّل فهم مذهب السلف لعموم القرّاء بَلَه الطلاب!، يطلب أحد حكام زمانه كتاباً في الحكم فيخرج الشيخ كتابه ” السياسة الشرعيّة”، و يظهر الخلط في باب التوسل بالصالحين فيكتب الشيخ ” قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة”، و يطلب رجل من واسط جواباً حول بعض مسائل الأسماء و الصفات فيكتب الشيخ رسالة لطيفةً جامعة لأصول الباب و هي “العقيدة الواسطيّة”، و يطلب رجل من تَدمُر كلاماً حول الأسماء و الصفات و حقيقة الجمع بين القدر و الشرع فيكتب الشيخ رسالة مُحبّرةً بالقواعد و الصوابط و هي ” الرسالة التدمريّة”، ينتشر مذهب الأشاعرة في صفة كلام الله بأنه كلام نفسي فيخرج الشيخ رداً عليهم من تسعين وجهاً في رسالته ” التسعينية”، و ينتشر كون مذهب التفويض في الصفات مذهباً للسلف فيخرج الشيخ لأهل حماة فتواه ” الحمويّة “، و يكتب في الاستدلال العقلي للأسماء و الصفات مقرراً قاعدة “الأكلمية”، و هكذا..
    وكل من كتب بعد الشيخ في تقرير مذهب السلف بطريقة (القواعد و الضوابط) – خصوصاً في بابي (الأسماء و الصفات) و (القدر) – هم عيالٌ على تراث الشيخ.
  • أخيراً : حالة الانبهار بالمشروع التيمي يجب ألا تلهي قاصد العقيدة عن الأخذ المباشر من أقوال السلف و تقريراتهم و لكن المشروع التيمي يسهّل و يدعم و ينافح عن حقيقة أقوال السلف، وهذه القضية نوعاً ما مشابهة للجدل الدائر حول قضية التمذهب و الفقه الحديثي بين طلاب العلم المعاصرين؛ إذ في حقيقة الأمر لا تعارض بين الأمرين.
السابق
فرنسا: جريمة متحف الإنسان و18 ألف من جماجم البشر!
التالي
المفيد المعتصر من كتاب العالمانية طاعون العصر(1)

اترك تعليقاً