حقيقة العالمانية

خديعة العالمانية العربية

خديعة العالمانية


النقطة المركزيّة الغائبة عن العالماني العربي – و كذلك يغفل عن ذلك بعض الإسلاميين في طرحهم للأسف – هي أن الخلاف الجوهري بين الإسلام و العالمانية ليس هو في السياسة فقط !


بل هذه النظرة القاصرة للخلاف الجوهري هي هديّة على طبقٍ من ذهب لسماسرة العالمانية ؛ إذ لو كان الخلاف مع العالمانية في السياسة فقط لكان – الأمر على خطورته – أقل و أهون بكثير مما ينبغي تضخيمه و تهويله في المنظور الشرعي ؛ إذ طبيعة السياسة الشرعيّة أنها يغلب عليها السياسة غير المنصوص عليها ( الإجرائية) فيُشترط فيها عدم المخالفة للشريعة لا اشتراط الموافقة للشريعة ؛ و من ذلك تقرير الفقهاء للقاعدة الفقهيّة الشهيرة في التراث  : “تصرُّفُ الإمام منوط بالمصلحة” ؛ فتُفتح هنا مجالات الاجتهاد المنضبط بصورة مكثفة و يكثر الخلاف السائغ كما هو معلوم!

و لكن بنظرة فاحصة يسيرة في اختيارات العالمانية في الواقع نجد أن :

العالماني العربي يدّعي أنه يتنصّل عن الإسلام في الشأن السياسي فقط ثم في ذات التوقيت هو ينكر حديثاً نبوياً شريفاً صحيحاً  مثل حديث الذبابة أو حديث سجود الشمس أو حديث رضاع الكبير … إلخ مما لا علاقة له مع السياسة!

العالماني العربي يدّعي أنه يتنصّل عن الإسلام في الشأن السياسي فقط ثم في ذات التوقيت هو ينكر أحكاماً فقهيّة مُتعلقة بقضايا المرأة مثل حرمة سفر المرأة من غير محرم و قضية الحِشمة و الحجاب و الستر و حرمة الاختلاط   … إلخ مما لا علاقة له مع السياسة!

العالماني العربي يدّعي أنه يتنصّل عن الإسلام في الشأن السياسي فقط ثم في ذات التوقيت هو ينكر شعيرةً نالت بها الأمة الخيرية و هي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر – و لو على مستوى اللسان فقط – …  مما لا علاقة له مع السياسة!

العالماني العربي يدّعي أنه يتنصّل عن الإسلام في الشأن السياسي فقط ثم في ذات التوقيت هو يقرر تعارض النصوص الشرعيّة مع عقله و منجزات العلم التجريبي المعاصرة ، و ينفخ في تضخيم القيمة المدنيّة على القيمة الأخروية في فلسفة الحضارة و أولويات السلم الاهتمام للفرد …  مما لا علاقة له – أصالةً و (قد) يكون تبعاً  – مع السياسة !

و هكذا دواليك…

والحقيقة البحثيّة أن العالمانية تختلف مع الإسلام في أصول عظيمة مثل سؤال الهويّة و النظرة الوجوديّة للكون و المرجعيّة الاستدلاليّة، و نظريّة المعرفة، و كينونة الإنسان، و مفهوم العبادة،  و الغاية من الحضارة، و جدليّة المدنيّة و الخيرية، و معيار الأخلاق بين الإطلاق و النسبية، و سؤال التوافق بين الشرع و العقل، و سؤال الشرع و العلم…إلخ

العالمانية… 


لها نظرة مستقلّة في المنحى الإنطولوجي ( الوجودي) و الإكسولوجي (القيمي)،و الإبستمولوجي ( المعرفي) و هي فضاءات الفلسفة الثلاثة ، و لها دعاتها و مبشروها من أمثال جون لوك و جان جاك روسو و توماس هوبز و سبينوزا و مونتسكيو و غيرهم و لها نظام سياسي و اقتصادي و اجتماعي، و لها كتبها المركزيّة، و ظروفها التاريخية المنتجة لها، و لها نُبُؤاتها الغيبية كما في السرديات الكبرى في فلسفة الحداثة و التي لم توفِ بها فأنتجت فلسفة ما بعد الحداثة، و لها نظرتها في مركزيّة الإنسان بدلاً عن الدين = فالعالمانية دين منفصل عن دين الإسلام { و من يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين} ، و ليس الخلاف بينها و بين الإسلام محصوراً في السياسة فقط، و ليس من شرط لفظة (الدين) أن يكون سماوياً فقد قال فرعون : {إني أخاف أن يُبدّل دينكم }، و قال الله في وصف العزيز زمانَ سيدنا يوسف – عليه السلام – :{ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله}، فتنبّه!

و حتى اختلاف العالمانية مع الإسلام في الجانب السياسي أصله و محرّكُه مرتبط بما سبق من نموذج معرفي؛ فمثلاً إنكار العالمانية لحد الردة أو (وجوب قتل المرتد) ليس لأن النصوص الشرعيّة لا تدعمه أو أن حديث عكرمة ضعيف أو أو أو….
لا، و ألف لا… 


بل لأن العالمانية تعتقد مركزية الإنسان بدلاً عن مركزيّة الدين؛ فلا ترضى بالقتل على أساس الدين، و إلا فهي تتقبّل تماماً قتل المنقلب على نظامها الديمقراطي لانتهاكه لسيادة الدولة و النظام الدستوري العالماني؛ فينبوع الغواية الفكريّة و منطلق الاختيار العالماني لرفض وجوب قتل المرتد ليس بحثاً شرعياً (هذه مجرد فهلوة و بركة ظاهريّة) و إنما الباعث هو بحث في مُحرّك النموذج المعرفي و هو تأليه العالمانية للإنسان!

#العالمانية_طاعون_العصر

التالي
وقفة تأمل و افتقار مع فيلم الجوكر !

تعليق واحد

أضف تعليقا

  1. التنبيهات : هل تُحقق الليبرالية نموذج الدولة اللا انحيازية ” impartial state ” كما يُسوّق لها ؟ – نسائم الأفكار

اترك تعليقاً